محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

72

الإنجاد في أبواب الجهاد

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = وقال أبو هريرة : « لأن أرابط ليلة في سبيل الله ، أحب إليّ من أن أقوم ليلة القدر عند الحجر الأسود » . [ بل هو مرفوع ، رواه ابن حبان وغيره بسندٍ صحيح . انظر : « الصحيحة » ( 1068 ) ] . قلت : ولهذا كان أفضل الأرض في حق كل إنسان أرضٌ يكون فيها أطوعَ لله ورسوله ، وهذا يختلف باختلاف الأحوال ، ولا تتعين أرض يكون مقام الإنسان فيها أفضل ، وإنما يكون الأفضل في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والحضور ، وقد كتب أبو الدرداء إلى سلمان : هلم إلى الأرض المقدسة ! فكتب إليه سلمان : إن الأرض لاتقدس أحداً ، إنما يقدس العبد عمله [ صحيح ، وخرَّجته مفصلاً في تعليقي على « المجالسة » ( 1238 ) ] . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد آخى بين سلمان وأبي الدرداء ، وكان سلمان أفقه من أبي الدرداء في أشياء من جملتها هذا . وقد قال الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - : { سَأوْرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ } [ الأعراف : 145 ] ، وهي الدار التي كان بها أولئك العمالقة ، ثم صارت بعد هذا دار المؤمنين ، وهي الدار التي دلَّ عليها القرآن من الأرض المقدسة ، وأرض مصر التي أورثها الله بني إسرائيل ، فأحوال البلاد كأحوال العباد ، فيكون الرجل تارة مسلماً ، وتارة كافراً ، وتارة مؤمناً ، وتارة منافقاً ، وتارة براً تقياً ، وتارة فاسقاً ، وتارة فاجراً شقياً . وهكذا المساكن بحسب سكانها ، فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة ؛ كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة ، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة ، والله - تعالى - قال : { وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ } [ الأنفال : 75 ] . قالت طائفة من السلف : هذا يدخل فيه من آمن وهاجر وجاهد إلى يوم القيامة ، وهكذا قوله - تعالى - : { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [ النحل : 110 ] ، يدخل في معناها كل من فتنه الشيطان عن دينه أو أوقعه في معصية ، ثم هجر السيئات وجاهد نفسه وغيرها من العدو ، وجاهد المنافقين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وغير ذلك ، وصبر على ما أصابه من قول أو فعل . والله - سبحانه وتعالى - أعلم » . وأنقل لك - أخي القارئ - فتوى ابن عربي الصوفي الحاتمي الطائي في كتابه « الوصايا » ( ص 58 - 59 ) في مسألة الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام ، قال ما نصُّه : « وعليك بالهجرة ولا تقم بين أظهر الكفار ، فإن في ذلك إهانة دين الإسلام ، وإعلاء كلمة الكفر على كلمة الله ، فإن الله ما أمر بالقتال إلا لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الذين كفروا هي السفلى ، وإياك والإقامة أو الدخول تحت ذمة كافر ما استطعت ، واعلم أن المقيم بين أظهر الكفار - مع تمكنه من الخروج من بين ظهرانيهم - لاحظّ له في الإسلام ( ! ! ) فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد تبرأ منه ، ولا يتبرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسلم ، وقد ثبت عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : « أنا برئ من مسلم يقيم بين أظهر المشركين » ، فما اعتبر له كلمة الإسلام ، وقال الله - تعالى - فيمن مات وهو بين أظهر المشركين { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ =